بسم الله الرحمن الرحيم

دور النشر وعلاقتها بالفرد والمجتمع

كتبه فضيلة الشيخ

جمال بن فريحان الحارثي

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد:
فالناظر المتأمل في الحياة يجد أن هذا الكون لابد أن يكون له خالق، و هذا الخالق لابد أن يكون عالِمًا -وهو الله سبحانه وتعالى-، ولا يمكن أن يَخلُق هذا الخالق خَلْقًا ويتركه أعمى -قلب- من غير تعليم، فبدأ سبحانه بتعليم آدم -عليه السلام-.
قال تعالى: ((وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)) [البقرة : 31]
فمن غير العلم يبقى المرء جاهلاً، جاهلاً في أمور الشريعة، الحساب، الهندسة، الأدب، الأنساب، ، الطب، القراءة، الكتابة .. إلى آخره.
ولما كان العلم من ضروريات ولوازم النبوة، أنزل الله تعالى على أنبيائه ورسله الكتب والصحف كي يأمروا الخلق بعلم من الله تعالى، وقبل أن يبعث نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- أنزل الله تعالى عليه هذه الآيات: ((اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)) [العلق : 1] وقال تعالى: ((اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ)) [العلق : 3]
وقد اهتم النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذا الجانب -أعني به جانب العلم- فبدأ بتعليم أصحابه -صلى الله عليه وسلم- القرآن وحثهم على حفظه ورغبهم فيه وفي طلب العلم فصَفْوَانُ بن عَسَّالٍ الْمُرَادِيُّ -رضي الله عنه- قال: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وهو مُتَّكِئٌ في الْمَسْجِدِ على بُرْدٍ له فقلت له: يا رَسُولَ اللَّهِ! إني جِئْتُ أَطْلُبُ الْعِلْمَ. فقال: (مَرْحَبًا بطالبِ الْعِلْمِ طَالِبُ الْعِلْمِ لَتَحُفُّهُ الْمَلائِكَةُ وَتُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا ثُمَّ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا حتى يَبْلُغُوا السَّمَاءَ الدُّنْيَا من حُبِّهِمْ لِمَا يَطْلُبُ ).
فلما كانت طرق وقنوات العلم تعددت واختلفت فمثلا: الكتاب، الشريط، والإذاعة، والتلفاز، والشبكة العنكبوتية "النت" بجميع وسائلها، وكل هذه يأتي مُتَسيِّداً لها ومقدماً عليها: "العالم"، حيث هو القائد لهذه الوسائل، ولكن هذا العالم لابد له من وسائل تساعده وتعينه على نشر ما يلقيه على الناس من علم عبر هذه الوسائل والقنوات المخالفة كي لا يضيع جهده وتذهب جهوده سُدىً، فوجدنا خير من يقوم بهذه المهمة التسجيلات والمكتبات "دور النشر" ودور النشر لن يكتب لها نجاح بمشيئة الله تعالى إلا بوجود مقبلين على إنتاجهم كي يستمروا في العطاء والتجديد ونشر كل جديد بل والكشف والتنقيب عما لم تره الشمس بعدُ من كنوز السلف الذي هو قامع في المكتبات العالمية غطّاه الغبار،فلما كانت هذه كلها سلسلة مترابط بعضها ببعض بدأً بالعالِم وانتهاءً بالفرد والمجتمع مروراً بدور النشر؛ رأيت أن أرسل هذه الرسائل.
 

الرسالة الأولى: "إلى العالم الجليل وطالب العلم النجيب"


تذكر أيها العالم الجليل وطالب العلم النجيب أين منزلتك التي وضعك الله تعالى فيها تكرما منه وفضلاً، قال تعالى: ((يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)) [المجادلة : 11]
وبيَّن سبحانه منزلة العلم للناس وعرّفهم مَنْهم أهل الخشية لله تعالى، قال تعالى: ((إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ)) [فاطر : 28]
فمن هنا أدعو علماءنا وطلبة العلم بأن يثروا المكتبات بمؤلفاتهم القيّمة وأن يزاحموا بعلمهم المستقى من الكتاب والسنة الكتب المؤلفة في هدم العقيدة الصحيحة والتي تفسد العقل والقلب وتزعزع الأمن والاستقرار في الأوطان.
ففي نشر العلم فوائد للجميع:
أولها: للعالم وطالب العلم نفسه، حيث أنه مأمور بنشر العلم وتعليمه للناس، قال تعالى: ((وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ)) [آل عمران : 187]
فقد تأول هذه الآية الإمام الوهري رحمه الله فقد جاءه رجل ليحدثه فأبى؛ فقال: "إن الله تعالى لم يأخذ الميثاق على الجُهال أن يتعلموا حتى أخذه على العلماء أن يُعَلِّموا" وتلي هذه الآية.
وبتعليمه الناس يحصل على الآتي:
1) يزداد علم العالم وطالب العلم؛ وذلك بسبب بحثه وتدقيقه وتحقيقه واستذكاره للمسائل.
2) يحفظ العلم؛ إذ لا يكون العلم محفوظا إلا برجاله وهم العلماء القائمين به الناشرين له.
3) أنه يؤجر على نشر العلم وتبصير الناس أمور دينهم وإرشادهم ودلالتهم على الخير، قال -صلى الله عليه وسلم-: (خَيْرُكُمْ من تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ).
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (الدَّالَّ على الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ).
4) أن نشر العلم وتعليم الناس هو من الأعمال الصالحة التي تبقى للمرء بعد وفاته للنماء والازدياد قال -صلى الله عليه وسلم-: (إذا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عنه عَمَلُهُ إلا من ثَلَاثَةٍ): -وذكر منها- (أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ).
5) أن العالم أو طالب العلم يحصل على أجور من انتفع بعلمه؛ وكلما نشر هذا المتعلم وغيره هذا العلم كان للعالم مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئا أما تستمع لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (من سَنَّ في الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ من عَمِلَ بها بَعْدَهُ من غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ من أُجُورِهِمْ شَيْءٌ).
 

الرسالة الثانية: " إلى الفرد والمجتمع"
 

من المعلوم أن المجتمع مكون من الأفراد، فالفرد هو قوام المجتمع و به تقوي الأمة، فكل ما كان الفرد أكثر تعَلُّماً وثقافة كان أنجح في حياته، فكذلك الفرد المسلم كلما كان أكثر غزارة في العلم الشرعي المستقى من الكتاب والسنة؛ كان أبعد عن الانزلاق في البدع والشرك، ولكن كيف له أن يتلقى العلم الشرعي المنضبط بالكتاب والسنة ؟!!
ذكرنا أن قنوات التلقي اليوم تعددت واختلفت كما ذكرنا في المقدمة وخير هذه الوسائل بعد الجلوس عند العلماء في حِِلق العلم؛ الكتاب فكما قال الشاعر:
 

أعز مكان في الدنيا سرج سابح

وخير جليس في الزمان كتاب


فبدلا من أن يصرف المرء وقته أمام شاشة التلفاز يقلب القنوات الفضائية المفيدة والغير مفيدة -وجلها يهدم الدين-؛ عليه أن يقتني كتاباً من هذه المكتبة أو تلك، وكتاب على كتاب يظهر في آخر الشهر أو السنة بحصيلة كبيرة من الكتب العلمية المفيدة التي تفيده وتفيد من بعده من أهله، كما أنه يزداد علماً بقراءتها أو بعضها، على أقل تقدير أن يطلع عليها فيشف منها رشفة أو رشفتين يتزود بها في حياته.
وقراءة الكتب والجلوس بينها تجعل الشخص يتخيل جيل المؤلف وخاصة إذا كان من القرون المفضّلة، فإذا ما قرأ لأحد التابعين كتابا أو قرأ سيرتهم أو سيرة الصحابة -رضي الله عنهم- يستشعر بأنه ببيتهم وفي أوساطهم، فهذه قصة أحد السلف مع الكتب.
فعن أبي عمران قال كنت عند أبي أيوب أحمد بن محمد بن شجاع فبعث غلامه إلى أبي عبد الله ابن الأعرابي يسأله المجيء إليه فعاد إليه الغلام فقال قد سألته ذلك فقال لي عندي قوم من الأعراب فإذا قضيت أربي معهم أتيت قال الغلام وما رأيت عنده أحدا إلا أني رأيت بين يديه كتبا ينظر فيها فينظر في هذا مرة وفي هذا مرة ثم ما شعرنا حتى جاء فقال له أيوب إنه ما رأى عندك أحدا وقد قلت له أنا مع قوم من الأعراب فإذا قضيت أربي معهم أتيت فأنشد:
 

لنا جلساء ما نمل حديثهم  ألباء مأمونون غيبا ومشهدا
يفيدوننا من علمهم علم ما مضى وعقلا وتأديبا ورأيا مسددا
فلا فتنة نخشى ولا سوء عشرة ولا نتقي منهم لسانا ولا يدا
فإن قلت أمواتٌ فما أنت كاذبٌ وإن قلت أحياء فلست مفندا

 

 

الرسالة الثالثة: "إلى أصحاب دور النشر والمكتبات"


أقول أولاً: -مذكراً نفسي وإياهم- بتقوى الله تعالى والإخلاص في عملهم بأن تكون نيتهم في طباعة الكتب ونشرها نشراً للعلم الشرعي على ضوء الكتاب والسنة، والصدق في القول والمعاملات، قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ)) [التوبة : 119]
واعلموا أن الدنيا تأتي صاغرة مع الإخلاص لله، ولا يكن هَمُّ أحدهم جمع المال واستغلال المواقف.
ثانياً: أن يلتزموا بالأمانة العلمية في الطبع، فلا يحرفون ولا يغيرون ولا يبدلون في الكتاب من تلقاء أنفسهم من غير رجوع للمؤلف، لأن هذا يعتبر من الخيانة العلمية، والغش والتدليس.
ثالثاً: الوفاء بالاتفاقية المبرمة بينهم وبين المؤلف؛ من:
(جودة الطباعة، مدة العقد، عدد النسخ، الوقت المتفق عليه في إخراج الكتب، والنسبة المتفق عليها وعدم المماطلة في تسديد الحقوق، وتزويد المؤلف بنسخة من مؤلفاته على قرص، وعدم التصرف في حفظ الحقوق للدار إلا باتفاق، إلى غير ذلك مما في العقد)، قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ)) [المائدة : 1]
رابعاً: عدم رفع الأسعار والمبالغة في ذلك مما يؤدي إلى توقف الناس عن الشراء ومن ثم يكون ذلك سبباً لصد الناس عن أخذ العلم من الكتب الموثوق بها وبأهلها.
خامساً: فليتق الله كل صاحب دار نشر أو مديرها من أن يطبع كتاباً لم يأذن له مؤلفه أو من ينوب عنه في طبعه، فقد انتشرت هذه الظاهرة في الآونة الأخيرة؛ وأصبحت بعض دور النشر تطبع الكتاب لهذا المؤلف أو ذلك من غير إذنه؛ مجرد أنه وجده في الشبكة العنكبوتية "النت"، أو وجده في الأسواق وقد طال العهد على طباعته فيستغل الوقت والحال فيطبعه؛ فهذه تعتبر سرقة للحقوق، وإضاعة للجهود المبذولة في التأليف والبحث والجمع والتحقيق والتخريج والشرح وما إلى ذلك من أعمال التأليف، وهذا التنبيه والتحذير يجري كذلك على الدور التي تترجم الكتب إلى اللغات الغير عربية، فلا يجوز ترجمة كتاب ما لم يأذن لهم المؤلف أو نائبه.
هذا والله أسأل أن يوفق الجميع لما فيه رضا الرب الغفور
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
 

كتبه أخوكم
أبو فريحان جمال بن فريحان الحارثي
ليلة الجمعة الموافق 3/4/1428هـ الموافق 204/2007م
 

 

 

 

تصميم: المصمم السلفي